خرجنا يوم 30 ضد الرئيس الأسبق محمد مرسي. نزلنا ضده وضد من يسمون أنفسهم بالإخوان المسلمين. نزلنا وتعددت أسبابنا كما تعددنا نحن. بعضنا مع الثورة وضد الإخوان، بعضنا مع النظام القديم، وضد الإخوان، وبعضنا خوفاً على هويته من الفاشية الدينية التي تبلورت بوضوح فيما رأيناه من البرلمان الذي كان في أغلبيته ينتمي الى أحزاب ما يسمى بالإسلام السياسي.

ومنذ ذلك اليوم، منذ الإطاحة بمحمد مرسي – تطورت الأحداث بشكل مخيف: استغلت القوات المسلحة نزولنا يوم 30 كما استغلت الثورة منذ بدايتها. واستولت على الحكم كما استولت على الحكم بعد أن أطحنا بمبارك – او كما قد يقول البعض – بعد ان استغلت القوات المسلحة ثورتنا للإطاحة بمبارك لأنهم لم يريدون ان تورث السلطة الى جمال مبارك – تختلف التفاسير، لأن البعض يقول انهم لم يريدونه لأنه مدني وخارج المنظومة العسكرية والبعض الأخر يقول لأن معارفه من رجال الأعمال ورجال الحزب الوطني أصبحوا منافس للقوات المسلحة في الاقتصاد. تختلف النظريات والنتيجة واحدة.

فيقول البعض اننا قد ارتكبنا خطأ جسيماً عندما نزلنا ضد محمد مرسي.

يرتكز هذا القول في بعد الأحيان على النتيجة – أي ان النتيجة محبطة ولذلك، فمن المؤكد ان الفعل كان خطأ. ولكن هذا المنطق غير مقبول تماماً – لأننا لو حكمنا على الأفعال بنتيجتها، فربما كان من الأفضل ان لا نفعل أي شيء إطلاقاً – لأن الثورة كلفتنا الكثير من الأرواح حتى الأن، ولو كنا سكتنا على مبارك لربما عاش مينا دانيال، لربما عاش الشيخ عماد عفت، لربما عاش العديد ممن خسرناهم. منطق الحكم على الفعل بالنتيجة ضعيف والأمثلة التي تثبت ذلك سهلة – لو رأيت طفلاً يموت، وساعدته، ثم نضج وتحول الى مجرم، هل كانت مساعدتك له خاطئة؟

في الأحيان الأخرى يرتكز القول على اننا كان يجب ان ندرك ان القيادات العسكرية الفاسدة ستستغل الموقف كما استغلت كل المواقف المسبقة – وبصراحة – كنا كلنا نعلم ذلك (الا السذج مننا) – ولكننا قررنا اننا يجب ان نغامر المغامرة من جديد – انه يجب علينا ان نرمي الزهر مرة أخرى، ونراهن، مرة أخرى، على ان الشعب لن يقبل طغيان العسكر كما لم يقبله من المشير طنطاوي وكما لم يقبله من الإخوان، وكما مازلنا نتوقع – انه لن يقبله (طويلاً) من الرئيس السيسي. فلو فقدنا الأمل في التحرك الشعبي – أصبحت كل الأفعال متساوية وفارغة.

ويقول البعض اننا كان من المفروض ان ندرك ان الموضوع مريب عندما رأينا الإعلام الفاسد يشجع النزول ورأينا الشرطة توعدنا أنها لن تتحرك ضدنا ورأينا القوات المسلحة تهدد محمد مرسي بالتحرك، ورأينا عملاء المخابرات على شاشات التلفزيون تؤكد لنا جميعاً ان النزول لا يشكل خطورة علينا. يقول البعض لنا ان هذه دلائل واضحة وكأنهم يعتقدون اننا لم نراها ولم نفهمها – فالواقع هو اننا لسنا بهذا الغباء، فلقد رأينا كل هذه الدلائل وفهمنا معناها – ولكن دعوني مرة أخرى أعطي مثالاً بسيطاً – لو اشتكيت من قاضي ظالم، و رأيت وانت تشتكيه، ان أحد المجرمين المذنبين أيضاً يشتكيه، هل معنى ذلك انك على خطأ وان القاضي صالح؟ المنطق ضعيف، وغير مقبول. قد يستغل أحدهم شكواك ضد الظالم ليرتكب جريمة ولكن ليس معنى هذا أنك قد أخطأت.

نرجع لوجهة النظر العملية – هل النتيجة الأن هي أسوء مما كانت ستكون عليه لو استمر حكم الإخوان؟ والأن نرتجل لأنه سؤال افتراضي بطبيعته ولا مجال لحسمه – ولكن لنفكر معاً…

بعد الإطاحة بمرسي بعدة أسابيع، قابلت رجل مؤيد للإخوان، وفي البداية لم أكن أدري انه مؤيد للإخوان، كنت أشتكي من الحكم العسكري وأعبر عن استيائي من اختيار السيسي للترشح في الانتخابات الرئاسية وأقول ان توليه الحكم سيؤدي الي المصائب. وافقني في الكلام الرجل، ولكن بدأ في الدفاع عن مرسي. لم أرد ان أكون منافقاً في الحديث او مخادع، فقلت له مباشرة انني نزلت يوم 30 يونيو ضد مرسي وحكم الإخوان، وأننا غاضب من مجرى الأحداث. شرحت له وجهة نظري تجاه يوم 30 يونيو بكل بساطة. الشعب يعاني من حكم عسكري منذ أكتر من ستون عاماً – يحمل هذا العبء الثقيل الذي نطلق عليه “الفاشية العسكرية” وأراد من الإخوان ان ينزعوا هذا الحمل عنه – ولكن ماذا فعل الإخوان؟ لم ينزعوا الحمل بتاتاً! فقد تحالفوا مع المجلس العسكري وأعطوه كل ما قد يشاء – من حقوق دستورية، ومن سلطة قانونية وأمنية ومن طغيان المحاكمات العسكرية. فتركوا هذا الحمل على الشعب، وبدلاً من ان ينتزعوه او ان (أضعف الإيمان) يستبدلوه بفاشيتهم (المفروض) الدينية – أصبح الشعب يحمل عبئي العسكر والإخوان معاً. فأصبح العبء مضاعف!

عندما نزلنا في يناير، نادينا بالحرية لكل المجتمع. لم نستقصي الإخوان، وأردنا ان نرفع الحمل عن الجميع – ولكن عندما صعدوا الإخوان الى السلطة رأينا طبيعة أراءهم وشعرنا بطبيعة عبئهم – رأينا رئيس الجمهورية يجلس مبتسماً بينما تهاجم عشيرته “الشيعة الأنجاس” – وفي خلال أيام رأينا الشيعة – مواطنين مصريين – يُقتلون و يُسحلون في شوارع مصر. وأخيراً، بعد ان حاول الشعب المصري ان يتخلص من عبء الدولة العسكرية، ووجد الإخوان يحملونه عبء مضاعف، قرر الشعب أخيراً ان يرفض العبء الجديد ويرجع للعبء القديم، لعله أخيراً ينجح في تخفيضه…لأنه اكتشف ان الإخوان لا يعادوا الدولة العسكرية بل يتحالفوا معها ضدنا ويتنافسوا معها على السلطة…

بالطبع – كلامي لا ينطبق على الكل، لأنني أخاطب فقد هؤلاء الذين يقفوا مع الثورة وأرادوا – من كل أفعالهم – نتيجة واحدة – وهي مستقبل أفضل لمصر وللمصريين. فأنا لا أخاطب هؤلاء الذين نزلوا ليس فقط لخلع مرسي بل لتمكين القوات المسلحة من الحكم، ولا أخاطب هؤلاء الذين نزلوا يوم 30 يونيو ليسترجعوا نظام مبارك. وبالتأكيد فأن البعض من هؤلاء اشتركوا في النزول ضد مرسي، ولكني أجزم ان العدد الأكبر من المتظاهرين لا ينتموا لهؤلاء.

دليلي بسيط – فانا أقارن العدد المهول من الناس الذين نزلوا يوم 30 يونيو بالعدد الضئيل الذي لبى نداء السيسي يوم التفويض – وأستنتج من فرق العدد، ونحن هنا نتحدث عن الملايين من الناس، ان معظم المصريين الذين نزلوا في يونيو نزلوا لإطاحة ظالم، وليس لتمكين ظالم أخر.

والثورة ضد الظالم حق، وواجب، ولو كنا قد أخطأنا – فالغلط ليس أننا نزلنا ضد مرسي، بل اننا لم ننزل بعد ضد السيسي.

وشكراً.

Related Posts